ما بين «خطاف رفاي» و«بابا درياه»، تكمن المخيلة الشعبية التي تداعب معتقداتنا، وحول «أم الدويس» و«الخبابا» و«السلعوة»، يسرد التاريخ الشفهي والشعبي الإماراتي أوراقه وأساطيره القديمة.
قد ينظر البعض إلى الحكايات الخرافية أو «الخراريف» على أنها أمر يسير لا يتعدى أقصوصة يُحلق من خلالها الصغار في أجواء الغرفة حتى تستسلم جفونهم للنوم، والحقيقة أنها ذلك الفن العميق الذي يحتضن بين ثناياه التاريخ العظيم للأوطان. الأهالي في الإمارات استخدموا «الخروفة» منذ قديم الأزل لسردها للأطفال بل وللكبار أيضاً، لأهداف مختلفة، ولكنها تحولت مع الزمن إلى قصص طبعت في كتب وأعمال تلفزيونية وسينمائية، وهذا لم يمنع بعض الناس من إحيائها عبر سردها على الأطفال في البيوت والمدارس، ومن خلال المهرجانات التراثية والمناسبات العامة.
تتخذ النسخة ال 18 من «ملتقى الشارقة الدولي للراوي» التي ستعقد خلال أيام قليلة مقبلة في مركز إكسبو الشارقة، من «الحكايات الخرافية» شعاراً لها، لتتضمن أنشطة وفعاليات وندوات منوعة تركز على ذلك الشعار وتستنبط منه الأفكار والمقترحات والمبادرات والبرامج التي تؤكد أهمية ومكانة الراوي والسيرة الشعبية، التي ما زالت حاضرة في الوجدان الشعبي.

تلك الحكايات أو «الخراريف» التي حفظها الأجداد ورسخت في وجدان الآباء، كانت الغاية منها ملء أوقات الأطفال بشيء مفيد، عبر توصيل معلومة بأسلوب حكائي سهل، يعتمد على إثراء مخيلتهم المفتوحة وقدرتهم على تصور الأحداث بصورة درامية، وتخويفهم من الأمور التي كانت من المحتمل أن تلحق بهم ضرراً، مثل البقاء خارجاً بعد غروب الشمس. والحقيقة أن الأمر لم يختلف كثيراً بالنسبة إلى الكبار الذين كانوا يجتمعون هم أيضاً في المساء، ويستمعون للقصص التي كانوا يتبادلونها في ما بينهم، إلا أنها كانت بغرض التسلية وليس التخويف.
وتتعدد «الخراريف» التي استمرت منذ عقود إلى الآن في الذاكرة الإماراتية، تلك التي نحاول أن نتأمل ما تخفيه وراءها من أساطير وحكايات.
«بابا درياه» أو «أبو البحر»، عرفت عنه حكايات الرعب والإيذاء بين سكان الإمارات الذين يعيشون على ساحل البحر، خصوصاً من قبل البحارة والصيادين وغواصي اللؤلؤ. وهناك نسختان من هذه الحكاية الخرافية. تقول الرواية الأولى إنه اعتاد أن يتسلل إلى قوارب الصيادين في الفترة بين صلاة العشاء وأذان الفجر، لخطف أحد البحارة أو الصيادين وهم نيام، وبعدها يقوم الجني الضخم بابتلاع الضحية وإغراق القارب. واتقاء لشره يلجأ الصيادون إلى وضع اثنين أو ثلاثة من البحارة لحراسة القارب، وعندما يسمعون صوت «بابا درياه» ينادون بأعلى الأصوات على رفاقهم: «هاتوا الميشارة والجدوم»؛ أي هاتوا المنشار والقدوم أو المطرقة، وبمجرد سماع الجني لهم يهرب ويختفي دون أن يستطيع أحد تبين ملامحه؛ لأنه دائماً ما يأتي في الظلام الدامس، ولكنهم يؤكدون أنه رجل قوي وضخم الجثة.
أما النسخة الثانية من الرواية فتقول: إن كل من يركب البحر يسمع صياح «بابا درياه» طالباً نجدته من الغرق، ولكن البحارة يعلمون أنهم إذا أنقذوه فسيسرق طعامهم وشرابهم، ويحاول أن يخرب سفينتهم مما يعرضهم للغرق، ولذلك يأخذون الحيطة والحذر منه، ويقومون بقراءة سور من القرآن الكريم والأدعية التي تبقيه بعيداً عن سفنهم، ويبدو أن الأهالي استخدموا هذه الحكاية لتخويف أولادهم، خصوصاً الشباب، وذلك لمنعهم من الذهاب ليلاً إلى البحر.
بينما تتمتع بطلة خروفة «أم الدويس» بجمال تحسد عليه، ولكن من يدقق النظر فيها يلاحظ أن لها عيني قط تميزها عن الإنسان، وهي في مقتبل العمر، تشبه القمر في ليلة البدر، شعرها طويل وجمالها لا يقاوم، تفوح منها رائحة المسك والعنبر، وتتزين بالذهب، صوتها ناعم لا يستطيع الرجال مقاومته، عندما تصادفهم وتطلب منهم أن يتبعوها، وما أن يصبحوا أمامها حتى تتحول إلى عجوز مرعبة، تقتل كل من انجذب إليها، وقد باتت الجميلة تستخدم لتخويف الأطفال إذا ما أساؤوا التصرف والسلوك.
وتتعدد الروايات عن المرأة «الخبابة»، ويقال إنها امرأة طويلة متشحة بالسواد من رأسها إلى أخمص قدميها، تختطف الجهال وتغوي الرجال وتُعرف أيضاً بأنها تظهر في المزارع الكثيفة والغابات، وكانت الأمهات يخوّفن بها أولادهن لكي يمنعوهم من الخروج ليلاً.
واحتل المرعب «خطاف رفاي» نصيب الأسد من حيز الخراريف في التراث الإماراتي، فهو ذلك المخلوق المخيف الذي يظهر ليلاً في البحر ويدعى «خطاف رفاي» وله عدة أشرعة، وأطراف تساعده على اللحاق بضحاياه إلى البر، ودائماً يحمل بيده حبلاً يلوح به، محاولاً اختطاف من يراه أمامه خاصة النساء اللواتي يخرجن من البيت ليلاً، لقضاء بعض الحاجات، وغالباً ما يفشل في مسعاه، بسبب هروب النساء وقراءتهن آيات من القرآن الكريم، وهو لا يخاف إلا من الرجال وخاصة الأقوياء منهم.
ولعل «موسوعة الكائنات الخرافية في التراث الإماراتي»، التي كتبها وسرد أساطيرها د. عبد العزيز المسلم، رئيس معهد الشارقة للتراث، وتناول من خلالها ما يقرب من 37 كائناً خرافياً في الحكايات الإماراتية، في مقدمتها»أم «الدويس» و«بابا درياه»، و«خطاف رفاي» و«أبو السلاسل»، هي التي تعرضت لهذا الفن الإماراتي بشكل كبير.
ويؤكد المسلم أن الكائنات الخرافية بأشكالها وأهوالها، سواء أكانت في إطار الحكايات الخرافية أو خارجها، وإن كانت قديماً تروى مشافهة ولا تفسر، كانت جميع عوالمها محجوبة معزولة عن التداول والمناقشة، وكثير من الحوادث والكوارث الشخصية والعامة التي حدثت في الماضي، كانت تُنسب أحياناً إلى الخوض في مثل هذه الأمور.
ويضيف: «الحكاية الخرافية في هيئتها العامة تدخل ضمن أقسام الأدب الشعبي، أما في صفتها الخاصة ومضمونها فتأتي ضمن المعتقدات الشعبية وصيانة التقاليد، فلكل انحراف خلقي أو انحلال اجتماعي، كائن خرافي مخيف، مهمته ردع من تجرأ على تجاوز تلك الحدود».
ويتحدث رئيس معهد الشارقة للتراث عن مجتمع الإمارات بقوله: «كنا نعيش في عزلة قبل هذا الانفتاح الاقتصادي الكبير، فعلى الرغم من بساطة الحياة القديمة وبساطة الناس وطيبتهم النادرة، إلا أنهم كانوا كثيري الحيطة والحذر من الاتصال بالآخر».