تحظى الشارقة بمكانة تراثية وتاريخية مميزة، تؤهلها لأن تكون الوجهة الأولى لمحبي التعرف إلى التراث المحلي، غير أن هذه المكانة لم تأت بمحض الصدفة؛ بل أهلتها لها قاعدة تاريخية وجهود جمة جعلتها في الطليعة، ومن بين أبرز تلك الجهود عمليات الترميم، التي تبناها معهد الشارقة للتراث، وطالت حتى الآن العديد من الأبنية القديمة التي عُمل على تجديدها والحفاظ على طابعها التراثي، لتكون نافذة على شواهد عمرانية في حقبة مضت.

البيت الغربي، وبيت السركال، وحصن الشارقة، وسوق التمر، وسوق الشناصية، وسوق العرصة، وسوق صقر، وفندق البيت، وغيرها من المواقع الكائنة بمدينة الشارقة حظيت بجهود الترميم، بوصفها مواقع مختلفة الأهداف، لا يجمعها سوى أنها تمثل رموزاً شامخة لماض أصيل عبق.
وعن مختلف تلك الجهود يحدثنا رئيس معهد الشارقة للتراث عبد العزيز المسلّم قائلاً: «تعتبر إمارة الشارقة الأولى التي بدأت بعمليات الترميم، وبدأت بسيطة، من خلال ترميم الأسواق، وبيت النابودة.. وذلك بتوجيهات عليا حول الاستمرارية في عمليات الترميم وتكثيفها، ليكتمل نسيج الشارقة العمراني التراثي.

وقد استمرت الجهود في عمليات الترميم، وكانت في مواقع عدة أبرزها عدد من البيوت داخل منطقة السور، مثل: بيت حمد المدفع، وبيت الطواويش، وبعض من البيوت يصل عددها إلى خمسة، وغيرها، مما نعمل عليه لإنشاء فندق البيت الذي يجري العمل عليه حالياً؛ إذ سيكون شكله الداخلي كالفريج، ويسكن نزيل الفندق في بيت من بيوته المرممة التي تختلف أحجامها.
ولا تقتصر عمليات الترميم على تلك البيوت؛ بل تشمل بيوتاً كثيرة، إضافة للمساجد، والمدارس، والمنتدى الذي على إثره أسس المنتدى الإسلامي في الشارقة. وشملت عمليات الترميم فريج الشيوخ، الذي من ضمنه البيت الغربي وغيره، وهي منطقة حديثة شيدت مبانيها نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، والمنطقة هي الأكثر التصاقاً بوجدان الناس، فمنهم من تختزل طفولته.
ويعتبر البيت الغربي ذا مكانة خاصة، فغالبية الحكام لأكثر من 200 سنة، كانوا من هذا البيت، أو لهم علاقة به، ولذلك تم الاهتمام به في عمليات الترميم، وهو اليوم منصة لالتقاء تراث الشعوب من خلال إقامة أسابيع التراث الثقافي العالمي».
ويشير المسلم إلى أن الشارقة تتسم بوفرة المواقع التراثية التاريخية التي يجري ترميمها بشكل متتال، فمن المشاريع القائمة ما هو في منطقة الخان، وهي مجموعة بيوت بالحي الذي يقع على الشاطئ، ومجموعة من المساجد، والبيوت، وقليعة، ومسجد في الجناح الأيمن بمنطقة الشرق، ومجموعة من الأبراج المنتشرة شرقاً وجنوباً، وكانت في طريق القوافل، ومنها ما انتهى ترميمه.

ولأهمية المواقع المرممة المرتبطة بتاريخها، يشير المسلّم إلى أن البيوت التي تحولت إلى متاحف، تتضمن كتيبات وبروشورات، تشير إلى مكانتها التاريخية، وسلمت تلك المواقع إلى إدارة المتاحف، كالحصن، وبيت النابودة، وبيت سعيد الشامسي «الطويل». ومن بين الأماكن المرممة ما أصبح اليوم مكاناً لجمعيات أهلية، مثل مسرح الشارقة الوطني، وجمعية بيت المسرحيين، والنادي البحري. وينوه المسلّم إلى أن المعهد بصدد إصدار العديد من الكتيبات ذات الأهمية في الإشارة إلى الأماكن التاريخية المرممة، ومن بين ذلك كتيب عن كافة الأبراج والحصون في الشارقة.أما عن مراحل الترميم فيحدثنا خبير الترميم والتصميم بإدارة التراث العمراني، في معهد الشارقة للتراث المهندس عبد الستار العزاوي، قائلاً: «يمر الترميم في أي مبنى تاريخي بمراحل محددة، لا يمكن تجاوزها للوصول إلى أفضل نتيجة تقترب من للشكل الأصلي للمبنى. فبعد اختيار المبنى تتم أول عملية وهي التوثيق له أياً كان نوعه، فضلاً عما يضمه من عناصر تراثية ومعمارية، سواء كان ذلك دينياً كالمساجد، أو مدنياً، كالمباني والبيوت والأسواق والمجالس، أو دفاعياً، كالحصون والقلاع والأبراج والمربعات. وبعد اختيار المبنى وتوثيقه تتم كتابة خطة الترميم التي تبنى على أساس الهدف من ترميم هذا المبنى: متحفاً كان أو مبنى إدارياً.

وبعد الحصول على التوجيهات يتم تشخيص العناصر والتعرف إلى طبيعة العمل في المكان؛ إذ إن هناك بعضاً من الأماكن تتغير معالمها، ولم يبق منها سوى القليل مما يمكننا من التعرف إلى شكلها العام. وحينئذ تبدأ عملية التنقيب والبحث عما تبقى من المبنى الأصلي، ذلك أن أغلب المباني التي نعمل على ترميمها لا نجد لها وثائق أو صوراً، أو حتى كتابات تمكننا من التعرف إلى شكلها القديم، لكن الخبرة والمعرفة بأصول البناء قديماً، والبيئة المحيطة به، إضافة إلى بعض الأجزاء والعناصر المتبقية في المكان، تدلنا على الشكل الذي كان عليه المبنى».
ويشير العزاوي إلى أن العمل على الترميم، يكون بالمواد الأولية نفسها، بنسبة كبيرة، خاصة الحجر البحري المرجاني. ويتم العمل على إعادة البناء أو الترميم حسب طبيعة المكان، فمن الجدران ما يكون بحاجة للحقن والربط، أو البناء، ثم الانتقال للسقوف المكونة من خشب الشندل الذي كان يؤتى به من أفريقيا، ونسج الدعون، ووضع طبقات من الحصير المصنوع من الخوص لا من القصب، ثم يضاف إلى ذلك الجص ومواد أخرى. كما يتم صنع المزاريب من الخشب باتجاه الخارج، وأحياناً تستخدم فيه جذوع النخل؛ لأن النخل عزيز على أهله في تلك الأيام. ويقول العزاوي: «الحصول على نماذج من الأبواب والشبابيك القديمة، يعد من العناصر الهامة جداً، ليتمكن القائمون على الترميم من صناعة مثيلاتها»، منوهاً إلى أن ما تم الحصول عليه منها هي تلك التي تحمل جذوراً عربية إسلامية في شكل زخارفها، وشبيهة بمثيلاتها في الأردن، والعراق.
ويعد البيت الغربي الذي يقع خارج سور الشارقة بالجانب الغربي من الشواهد البارزة على أهمية عمليات الترميم، حيث بني هذا البيت قبل مئتي عام، وهو بيت الشيخ سلطان بن صقر بن خالد القاسمي، الذي تولى حكم الشارقة سنة 1924. وخضع البيت الغربي لعمليات ترميم سنة 1997، وخلال 2014 تم تأهيله ليكون مركزاً لفعاليات التراث الثقافي التابع لمعهد الشارقة للتراث.
أما بيت السركال الذي يعود تاريخه للقرن التاسع عشر الميلادي، فيضم بين جدرانه تاريخ إمارة الشارقة الحديث، بعد أن ظل فترة تاريخية طويلة مقراً للمعتمد البريطاني بمنطقة الخليج ليتحول في ستينات القرن الماضي إلى أول مستشفى بالإمارة. وقد شهد هذا البيت ترميماً سنتي 1993 و1995، إلا أنه اليوم يحتضن أنشطة مركز الشارقة للفنون، وبينالي الشارقة، والعديد من المعارض والفعاليات وورش العمل، هذا فضلاً عن البيوت والمجالس القديمة التي منها: بيت إبراهيم المدفع، وبيت عيسى المدفع، وبيت عبد الرحمن المدفع، ومجلس إبراهيم المدفع، وبيت عبد الله المحمود، ومجلس النابودة؛ فهي كلها اليوم تحت اسم «فندق البيت» وهو فندق تراثي إماراتي أصيل، استمد تصميمه من تلك البيوت والمجالس قبل أن تبدأ أعمال الصيانة للمباني المشكّلة له سنة2011.

الحصن

يعتبر حصن الشارقة من أبرز معالم الشارقة التاريخية، ويمثّل ذاكرة المكان وتاريخ الأسرة القاسمية الكريمة وحكامها، الذين تعاقبوا على حكم الإمارة.
والحصن مربع الشكل بُني في سنة 1823، وهدم في سنة 1969، وفي سنة 1997، أعيد بناؤه ومرّ ترميمه بمراحل عديدة، آخرها كانت في سنة 2014، واليوم هو متحف يتيح للزائر فرصة الاطلاع على التاريخ الحديث لإمارة الشارقة، والعائلة الحاكمة، وتاريخ المبنى، وطرائق الدفاع، وإدارة الحكم، وطابع الحياة اليومية في الإمارة قبل نحو مئتي عام.

أسواق

شملت عمليات الترميم، الأسواق التراثية التي كانت ملاذ الناس ومتنفسهم ومصدر قوتهم، ومن بين تلك الأسواق سوق التمر الذي يعود بناؤه إلى نحو 250 سنة، وسُمّي بذلك نظراً إلى وجود محال لبيع التمر الذي كان يستورد من العراق وبلاد فارس؛ لذلك كان مركزاً لبيع التمر، ودبس التمر سابقاً، وبدأ ترميم السوق بالكامل في سنة 2014م بالمواد الأصلية، وعلى رأسها خشب الجندل والحجر المرجاني، أما سوق الشناصيّة، الذي بني في القرن التاسع عشر الميلادي، فكان يحتضن مجموعة من العُمانيين الذين سكنوا الشارقة، واتخذوا جزءاً من السوق لبيع السمك وأدوات الصيد، وكان سوق العرصة محل سكن التجار من الهندوس، والتجار المسلمين الذين وردوا من حيدر آباد في الهند، وجماعة الصاغة العرب، من منطقة البريمي، الذين هربوا من التسلط عليهم ومضايقتهم؛ فلجؤوا مع شيخهم حميد الصايغ، إلى الشيخ محمّد بن صقر بالشارقة، وأدخلوا حرفة الصياغة إلى الشارقة، وفي سنة 1992م، تمّت إعادة ترميم سوق العرصة، ثم وضعت خطة لإعادة إحياء وترميم السوق من قبل المعهد، وتم البدء بها في منتصف سنة 2016م، أما سوق صقر، فيقع في منطقة الشويهين، ويعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر الميلادي، وقد استعمل لبيع مستلزمات الأسرة، ويمتد مسافة 275 متراً، وتحدّه من الطرفين أبواب كانت تستخدم قديماً لإغلاق السوق ليلاً؛ لوجود الخزنة في داخل السوق.