Categories
الأخبار

«الشارقة الدولي للراوي» يستعيد ملاحم الإلياذة وعنترة والزير سالم

عُرس ثقافي تراثي إماراتي عربي ودولي، تتزين به عاصمة الثقافة الإسلامية والصحافة والسياحة العربية كل عام.
إنها تظاهرة ملتقى الشارقة الدولي للراوي، الذي انطلق في نسخته ال 17، برعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وهي تلك النسخة التي تحمل شعار «السير والملاحم»، وتشهد العديد من الفعاليات والأنشطة والبرامج المتنوعة، التي تقدم بدورها صورة بانورامية تختزل الكثيرَ من المعلومات والصور لتراث الملاحم العالمية والسير الشعبية.

ما يقرب من 28 دولة عربية وأجنبية تشارك في الملتقى الذي نجح بجدارة في أن يكون مميزاً ومتفرداً هذا العام، وما يقرب من 117 باحثاً وخبيراً يساهمون في إثراء برنامج تلك النسخة، الذي أكد مدى أهمية الإسهام في رعاية الرواة وإعادة الاعتبار لهم والإيمان بقدراتهم وإمكاناتهم، والتعبير عن التقدير والوفاء لما قدموه للوطن وللأجيال الجديدة.
ما إن تعبر بوابة معهد الشارقة للتراث حتى تتسرب إليك رائحة القدم والأصالة، وما إن تقع عيناك على تلك اللافتة الكبيرة التي راحت نسمات الهواء تعانقها وقد كُتب عليها معرض السير والملاحم بمركز التراث العربي، إلا وتجد نفسك مسيراً لا مخيراً مدفوعاً تجاه ذلك المبنى، لتجد نفسك وقد امتطيت آلة الزمن لتعود بها إلى قروناً إلى الوراء، لتعيش عصر الأساطير القديمة والسير الشعبية والملاحم التاريخية الضخمة، ربما ترى نفسك وقد امتطيت حصان طروادة الشهير، أو أنك غصت مع هوميروس في أوديسته، أو أنك أصبحت أميراً لأسطورة جلجامش، أو طائراً في ملحمة ذات الهمة، وربما تشعر بقوة خارقة تنتابك فتتقمص للحظة تاريخية شخصية عنترة بن شداد.

حالة أظن أنها تنتاب كل من يخطو بقدميه ويتجول بعينيه في قلب المعرض الذي يلخص أهم السير والملاحم الشعبية في العالم، أفيق من حالة تأملي لأجدني وقد استسلمت للتاريخ القديم، عندما أقف أمام حصان طروادة الذي جُسد على أرض المعرض، ذلك الذي يعدّ من الأساطير التي لم ينسها التاريخ مهما مر الزمن، تلك الأسطورة التي جسدها الرائع «هوميروس» في «طروادة» المدينة المنيعة التي تقع في آسيا الصغرى، وعلى الرغم من صعوبة اقتحامها، إلا أنها شهدت حرب طروادة أشهر الحروب وأشدها قوة على مر التاريخ، هناك فقط في مركز التراث العربي تستطيع أن تسبح مع تلك الأسطورة لتسترجع أسبابها التي اختلفت الأقاويل فيها.
ومن الإلياذة والأوديسة تطير محلقاً عبر تأملك لمعرض السير والملاحم إلى سيرة عنترة بن شداد أحد أشهر وأهم شعراء العرب في فترة ما قبل الإسلام، الذي كان واحداً من أهم شعراء الفروسية، بل من أشهر فرسان العرب، وشاعر المعلقات والمعروف بشعره الجميل وغزله العفيف بعبلة.
وها هو الزير سالم تعتلي سيرته المعرض، و هو المهلهل عدي بن ربيعة بن الحارث بن تغلب أحد الشعراء العرب، وعرف ب «أبي ليلى»، وخال الشاعر امرئ القيس، وجد الشاعر عمرو بن كلثوم، الزير سالم من الشخصيات المشهورة على مرّ التاريخ، لذا فقد كانت قصته محوراً للعديد من الأعمال الفنّية، فقصّته غنيّة بالأحداث الاجتماعية والتاريخية التي يمكن الاستخلاص من فحواها العديد من العبر والدروس والمبادئ، وهي تجسد الفترة الزمنية الطويلة المعروفة بحرب «البسوس».
كلما تأملت معرض السير والملاحم الذي قام بعرض وتلخيص أهم السير الشعبية، يتأكد يقيني بأن ملتقى الراوي أصبح دولياً وحدثاً ثقافياً يترقبه الجميع، بل كما قال مدير معهد الشارقة للتراث د. عبدالعزيز مسلم: إن الملتقى قد أصبح منصة لتكريم الرواة ومحفلاً ثقافياً تلتقي فيه أفئدة الكثير من حملة التراث والمختصين والباحثين والإعلاميين، لبعث الهمم ولجمع التراث وحفظه وصونه.
وها هو المعرض المصاحب للملتقى لايزال يحكي ويسرد واحدة من أهم محطات وعناوين التاريخ الشفاهي، ونتاج وجدان الشعوب، لتنتقل من جيل إلى جيل من خلال الراوية الشفهية، التي يتداخل فيها الواقع والحقيقة بالخيال، وها هي سيرة بني هلال، والظاهر بيبرس، والأميرة ذات الهمة، تزين أرجاء المعرض الذي نجح بجدارة في أن يوثق ذاكرتنا التاريخية.
ولم يقتصر الأمر عند السير والملاحم، بل تطرق المعرض أيضاً إلى أركان تختص بالحلي والأزياء التراثية من كافة الدول العربية، وعلى رأسها الإمارات، وشمال إفريقيا، وبلاد الرافدين والشام في لمحة ذكية ورائعة للتذكير بتراث كل البلدان العربية والحث على ضرورة الحفاظ على هذا الإرث.
أنشطة مصاحبة
تفاعل 40 طفلاً في مركز الطفل بحلوان، مع الحكايات الشعبية التي روتها لهم كاتبة الأطفال لطيفة البطي من الكويت، وقالت: أهتم بإعادة كتابة الحكايات الشعبية الكويتية للأطفال، وأشكر الإمارات ومعهد الشارقة للتراث على هذه الدعوة.
في مركز سجايا فتيات الشارقة بالقرائن، شارك نجيب الخروبي، مدير مركز لتنشيط الأطفال بتونس في إحدى الفعالات، وقال: أشارك بعدة ورش، الأولى هي النقش على الفضة، وجعلنا الأطفال يقومون برسم شعار الملتقى لهذا العام على أوراق الألمنيوم.
وكان زوار «ميجا مول» على موعد مع فرقة جمهورية صقلية، وقال فرانشيسكو سكيرما، مدير الفرقة: هذه هي الزيارة الأولى للإمارات، وأتمنى أن أعود مجدداً إلى الشارقة.وشهدت واجهة المجاز المائية عروضاً وأعمالاً منوعة، وقدمت فرقة قيرجيزستان، لزوار الواجهة ملحمة مناس والتي تعددت رواياتها، وهي من أكبر الملاحم المعروفة.
مقهى الملتقى
شهد مقهى الملتقى، استعراض رواة ومتخصصين في الثقافة والأدب سيراً وملاحم عربية من مستودع التراث العربي والإنساني، وفي محاضرة بمركز التراث العربي، قدم وناس بن مختار، المستشار الثقافي بوزارة الثقافة التونسية، سيرة الزناتي خليفة. كما استحضر رواة إماراتيون في مقهى الراوي حكايات وروايات من الماضي. وتطرق الراوي الإماراتي علي القصير إلى حالة الانسجام والألفة التي جمعت أهل الإمارات في سنوات ما قبل النفط، مستعرضاً شجرة الرولة الشهيرة.
وتطرقت غزالة مبارك همام، الباحثة في التراث الإماراتي إلى خراريف شعبية إماراتية قديمة حملت الكثير من المعاني الإنسانية.
المسلم: الحجي من أوائل الباحثين في غمار التراث
شهد اليوم الأول لملتقى الشارقة الدولي للراوي في نسخته السابعة عشرة الذي ينظمه معهد الشارقة للتراث، تشكيلة غنية ومتنوعة من الأنشطة والبرامج والفعاليات التي لاقت تفاعلاً حيوياً لافتاً من قبل محبي وعشاق التراث، وتنوعت تلك الأنشطة بين ندوة علمية تناولت الشخصية المكرمة من الكويت، الدكتور يعقوب يوسف الحجي، الباحث والخبير في التراث البحري، إضافة إلى مقاه ثقافية ومقهى الرواة، وفعاليات في مواقع خارجية. أشاد الدكتور عبدالعزيز المسلم، رئيس معهد الشارقة للتراث، رئيس اللجنة المنظمة للنسخة السابعة عشرة من الملتقى، بمسيرة الباحث في التراث الثقافي البحري، د. يعقوب يوسف الحجي، والمحتفى به هذا العام. وقال المسلم: اختط الحجي لنفسه مساراً متميزاً من مسارات التراث الثقافي العربي، فكان من أوائل الباحثين خوضاً في غمار هذا التراث، ونذر حياته ووقته وعلمه من أجل تدوين الذاكرة الشفاهية لأهل الكويت، وأجرى عشرات المقابلات مع عدد كبير من نساء ورجالات الكويت الذين عاشوا فترة ما قبل النفط.
وأضاف في الندوة العلمية الأولى التي عقدت في المعهد أمس الأول، بعنوان «الدكتور يعقوب يوسف الحجي، الباحث والمحقق» إنه: لم يكن من أصحاب الكراسي الوثيرة، بل اعتمد في عمله وتوثيقه لعناصر التراث على معطيات العمل الميداني، وسافر إلى كثير من المواقع التي كانت تجوبها السفن الشراعية، فهو الباحث الميداني المتمرس، والخبير العلمي الذي مكنته أدواته البحثية من تدوين وتوثيق ذاكرة شعب أصيل، وأمة بحرية، كان لها إسهام ودور ريادي في الفعاليات الاقتصادية البحرية على مدى قرون في حوض الخليج العربي والمحيط الهندي.
وتناول الحجي في الندوة بعض ملامح عمله في البحث العلمي في مجال التراث الثقافي، وتحدث عن تجربته في التراث البحري.
وتناول الدكتور عايد الجريد في ورقته مسيرة يعقوب الحجي وتوثيقه للشخصيات الإصلاحية الكويتية وتحدث الباحث في التراث الكويتي، صالح المسياح، عن خصائص الرزنامات البحرية الكويتية.
«الدمى» توثق الأساطير
تماس كبير بين الحكاية والأسطورة والملحمة القديمة وتلك الفنون المجاورة التي يقدمها ملتقى الراوي، لهذا العام في الخيمة الكبيرة التي تقف بشموخ في قلب معهد الشارقة للتراث.
«سوق الدمى والأقنعة» عنوان يحمل الكثير من المعاني التي تزف إلينا عبق الماضي وأصالته، وهو ذلك العنوان الذي اختارته تلك الخيمة لنفسها، لتحكي قصصاً لا نهاية لها من مختلف بلدان العالم.
عالم الدمى والعرائس وخيال الظل والأراجوز ينتمي إلى القديم، ولكنه أيضاً يداعب مخيلتنا الحاضرة ليشدنا إلى دنيا الفنون المسرحية المعاصرة التي عرفناها في طفولتنا التي لم يكن قد تسرب لها عالم التكنولوجيا والشبكات العنكبوتية.
ويبدو أن ملتقى الراوي في دورته الحالية نجح بجدارة في أن يقدم تلك الفنون التي توثق لخيال الفن الشعبي، الذي يعتبر شرطاً رئيسياً للتفاعل مع الجمهور، من خلال هذا السوق الذي ما أن تدخله إلا وينتابك إحساس بأنك توحدت مع عالم الدمى والعرائس، بل ربما انفصلت تماما عن هاتفك المحمول الذي حتماً يربطك بالعالم الخارجي. جناح الإمارات هو أول ما يستقبلك في السوق، تشدك رائحة البخور العتيقة، وتغوص في عوالم تلك العرائس الصغيرة التي صنعت بأيد ماهرة، لتنسج خطوطاً دقيقة تروي معها تفاصيل الزي الإماراتي، والبرقع الشهير الذي ارتدته كل العرائس التي ما أن تنظر إليها حتى تشم رائحة التاريخ عبر جنباتها. يشدني ذلك الرجل الذي ارتدى زيه السوداني القديم، والذي راح وسط الدمى، يعلن عن جناح السودان، وقفت أمامه طويلاً إلى أن جاءني صوت عوض الزيتون الشاب السوداني الذي يمثل بلده ضمن فرقة أهالينا الثقافية التي تزور ملتقى الراوي للمرة الأولى، تحدث عوض عن دمية الرجل قائلاً: إنه الحكيم «جومو» الذي تحكي أسطورته أنه زار كل دول القرن الإفريقي من أجل أن يحد من الصراعات التي كانت تنشب بين القبائل الإفريقية في ذلك الوقت، جومو هو رمز سوداني إفريقي يحمل رسائل الحب والسلام، أيضاً دمية «فاطمة السمحة» وهى المرأة الأسطورة التي تدافع عن الحب والحرية، والحقيقة أننا نحاول من خلال الدمى والعرائس أن نجسد بيئتنا وتقاليدنا وأساطيرنا القديمة، ليس في السودان فحسب، بل في معظم قارتنا الإفريقية. ومن الجناح السوداني إلى مثيله المصري تحدث إيهاب لطفي عن مشاركته بعرائس فنية تعبر عن البيئة المصرية، صنعت يدوياً، وأيضا يشارك في مسرح العرائس الذي يقدم من خلال الفعاليات المقامة على هامش ملتقى الراوي، ويتحدث لطفي قائلاً: فخور بأن يكون في بلداننا العربية مثل هذه الملتقيات التي تهتم بالتراث وتقدمه للصغار من خلال فعاليات مبسطة من أجل تعريف تلك الأجيال الجديدة بتاريخهم، وعن إقبال الأطفال والحاضرين على سوق الدمى وصفه لطفي بغير المسبوق. الراوي السوداني مختار بخيت كان يتجول في سوق الدمى التقيناه وأوضح أن الملتقى أضحى تقليدا سنويا وذا أهداف واسعة على المدى القريب والبعيد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *