Categories
الأخبار

القبائل الجبلية.. حياة في مواجهة قساوة الأحجار

تعيد أمجادها في «الشارقة التراثية»
القبائل الجبلية.. حياة في مواجهة قساوة الأحجار

 

«يا جبل ما يهزك ريح»، وحدها تلك العبارة لا تملك سوى أن ترددها ما أن تطأ قدماك أرض خيمة أهل جبال الإمارات في قلب الشارقة. تجدها عند الحصى والطين والجص، فهي الينور، والخمير، والمحلوي ومع دقات الحنة والمحنية، وحرارة الموقد والتنور يتمكن منك الحنين إليها هي السدر، وسعف النخيل، والقَفل والصُفة، والخابية والبرمة، والخرس والخرص، ومع أنغام الندبة واللقية لا تملك سوى الانحناء لجبروتها. لا شيء حولك سوى أزيز الرياح مغازلاً إياها محاولاً النيل منها، لكنها بخفة متناهية وبإصرار متعنت تُكشر عن أنيابها معلنة أنه لم يولد بعد من يهز عرشها.
أحاسيس ومشاعر مختلطة تنتابك وتعيدك إلى الوراء ما أن تدخل إلى الخيمة التي تجسد البيئة الجبلية في أيام الشارقة التراثية.
رائحة القهوة العربية الأصيلة كانت كفيلة أن تجعلني أقف مشدوهة أمام تلك الخيمة التي تشعر معها بأنك بالفعل تعيش خلف الجبال، تعاني قساوتها التي طالما عاش وسطها الأجداد.

أفيق على عبارة أحدهم قائلاً: «اتفضلي تتقهوي» بلا تردد كنت أفترش مع أبناء قبيلة الظهوريين خيمتهم التي يجسدون فيها البيئة الجبلية الإماراتية. على أنغام الطبول التي كانت دقاتها تختلف كثيراً عن الدقات التقليدية التي نسمعها، بدأت أسأل عن طبيعة هذا الاختلاف وهل هذا فن له مسمى عند القبائل الجبلية؟
أجابني راشد الظهوري قائلاً: «إنه فن الندبة، الذي يعد من التقاليد النادرة، ويكون في اجتماع عدد كبير من الرجال حول شخص نلقبه بالهتاف، والترديد خلفه بنداء الكورال، وكان أجدادنا يستخدمون هذا الفن في المناسبات وحفلات الأعراس، أو عند الانتهاء من تناول الولائم الكبيرة، لا سيما بعد كسر رأس الذبيحة، ونستمر في قرع الطبول لأوقات طويلة، تتخللها فترة استراحة، وكان القدماء يقرعون الطبول على فترات متتالية من اليوم، منذ الصباح الباكر في الأعراس وحتى ساعات المساء».

الرواح واللقية

كان يجلس منتشياً ويبدو أنه أخذته الألحان والأصوات التي تخترق القلب قبل الأذن، اقتربت منه ولا أعرف لماذا تسرب لي إحساس بأنني سأجد ما يفيدني لديه. محمد الظهوري يتحدث قائلاً: إنه يعتبر من الملاحم التاريخية التي ستظل محفوظة في الذاكرة ولهذا الفن عند أهل الجبال أنواع أهمها فن «الندبة» الذي يعني طلب الانتماء أو طلب العون من القبائل المجاورة، وفن «الرواح» ألا وهو الترويح عن النفس عند الانتهاء من بعض المهن الشاقة مثل حصاد القمح وغيرها من المهن المشتبكة مع نسيج الحياة الاجتماعية لسكان وأهالي المناطق الجبلية في الإمارات، و فن «اللقية» الذي تمارسه القبائل عند استقبالهم للزائرين، وفيها يتم إطلاق الأعيرة النارية في الهواء تعبيراً عن الفرح، أما «الوهابية» فهو عبارة عن غناء ورقص يستعرض معاني الشجاعة والرجولة. وتستخدم فيه الطبول التي كانت تصنع قديماً من جذوع النخل.

ملاذ الأجداد

صوته الجهوري الذي تشعر معه بأنه قادم من وراء الجبل العتيق، كان كفيلاً بتغيير مجرى الحديث تماماً خصوصاً عندما بدأ حسني الظهوري بالقول: «نحن من أبناء قبيلة الظهوريين ونشارك في أيام الشارقة التراثية في دورتها الخامسة عشرة على التوالي، ونجسد البيئة الجبلية التي تعتبر من أهم مراحل حياتنا. عانى أجدادنا الظروف الصعبة خصوصاً قبل قيام الاتحاد، حيث كانت حياتهم بسيطة، واعتمدوا بشكل أساسي على زراعة النخيل والبر والذرة والبصل والطماطم والشعير وغيرها من الخضراوات، وكانوا يجمعون الحطب والعسل البري ويبيعونه للأهالي الذين كانوا يقومون برحلات التجارة إلى أسواق دبي والشارقة أو يتعاملون مع تجار على شواطئ رأس الخيمة ويقايضون بعض المحاصيل الزراعية والتمور والحطب ببعض الاحتياجات الأساسية للأهالي ولأن المناطق الجبلية كانت قريبة من رأس الخيمة فكانت هي الملاذ للقدامى الذين كانوا يذهبون إليها تحديداً ليعرفوا منها مواعيد رمضان والأعياد، هذا بالطبع غير صلاة الجمعة من كل أسبوع، وكانوا يسيرون على الأقدام حيث يستغرق الطريق ساعتين ذهاباً وإياباً».

بيت الصفة

سكان الجبال كانوا يعيشون في بيوت تتناسب مع ظروف حياتهم، وسط الطبيعة وقسوتها، بحسب سعيد الظهوري. يضيف: «كانوا يطلقون على المنزل في الجبال اسم (بيت الصفة)، ويكون مبنياً من الحجارة التي لا تمتص الحرارة، ويؤسس على عمق نصف متر، وتُترك في جوانبه الأربعة عدة فتحات للتهوية، وسقفه من شجر السدر أو سعف النخيل، وعادة ما يُغطى بيت الصفة بشجر جبلي لا يمتص الحرارة يسمى (عسبق). بينما تُبنى في الشتاء بيوت خاصة تصلح لمواجهة برودة الجو يطلق عليها (بيت القفل)، وهي من حجارة سميكة، وتغطى من الداخل بطين (المدر) المتماسك عالي الجودة، ويصل ارتفاع جدار البيت إلى 6 أمتار. وسميت بهذا الاسم نسبة إلى طريقة قفل أبوابها، والتي تكون عبارة عن قطعة حديدية ملتوية، لا يعرف استخدامها سوى أهل البيت».

الوعب والزريبة

لا تنسوا «الوعب» يا ولادي.. هكذا جاء صوت الوالد عبد الله راشد الظهوري. يضيف: قطعة أرض صغيرة مخصصة لزراعة القمح، وغالباً ما تكون إلى جانب كل بيت، ويطلق عليها «الوعب»، الذي تتم زراعته عادة في الشتاء، ويُجنى في الخريف. وأيضاً الدواجن لدينا تعيش في كوخ صغير يسمى «أنه»، يُبنى على شكل مثلث له سقف مخروطي من سعف النخيل. أما الأغنام فتعيش في «الزريبة» التي تكون على شكل غرفة مستطيلة الشكل مبنية من الحجر، وبابها وسقفها من جريد النخل، ويتصل بها سور أمامي يستخدم كمكان لإطعام ماشيتنا.

برمة ومجامر

يقطع الحديث حمدان الظهوري قائلاً: كل شيء محفوظ في الذاكرة من الأشعار التي تعتبر ملاحم تاريخية لنا، إلى الأواني التي كان يستخدمها أجدادنا حاولنا تجسيدها في خيمتنا، فهي جزء من نسيج حياتنا ولعل «الخرس» كان نقطة انطلاقنا، وهو إناء كبير لتخزين التمور، ويستخدم أيضاً لتبريد الماء في فصل الصيف، «والمصب» لعمل القهوة العربية، بينما «التنور» كان وما زال يضع فيه الناس الأكلات الشعبية مثل الهريس، «البرمة» لطهي الطعام، هذا بالإضافة إلى الزهريات وأصص الزراعة والمجامر.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *