Categories
الأخبار

التلي والسدو.. أعمال تحفظ حكايات الجدات

 

الشارقة: أمل سرور

 

ما أجمل أن تعيش مع الأجداد، وتنصت إلى حكايات الجدات، وتجلس وسط السعف، والسدو، والتَلي، والمعقصة، والسرود في أيام الشارقة التراثية.

ها هي خيمتهن تلوح لي من بعيد، تلك التي تخفي بين جنباتها براقعهن القديمة اللاتي ما زلن يتمسكن بها، تستطيع أن تلمح أيديهن وهي تعمل بسرعة وخفة يُحسدن عليها لتنسج كل ما يحمل رائحة الأصالة والقِدم، تقترب من الخيمة فتُفاجأ بأنك أمام أهم خيمة تراثية شكلتها المرأة الإماراتية للحفاظ على تاريخها.

افترشت الأرض إلى جانبهن لأشتم رائحة زمن قديم لم نعشه ولكننا ما زلنا نعيش على أمجاده..

 

 

الوالدة عائشة عبد الله سليمان، استقبلتني بمثل إماراتي قديم حين قالت: «أتعلم خدمة واتركها عل الزمان يحوجك ليها» هذا هو مبدؤنا الذي أضعه أمام عيني، عشت لتعلم فنوننا التراثية وحرفنا اليدوية التي لا تقدر بثمن، لكنها كنزنا الحقيقي الذي سيرثه أبناؤنا وأحفادنا، جدتي هي التي علمتني والآن أكرر نفس الدور لكي تحافظ أجيالنا الجديدة على تراثنا العظيم.

صمتت الوالدة ثم عاودت الحديث قائلة: هذا «التلي» وهو الأصل في فنوننا التراثية، وكانت تمارسه النساء في قديم الزمان، وتسمّى هذه الحرفة «تلّي بوادل» أو «تلّي بتول»، نسبة إلى كلمة التلّي ذلك الشريط المزركش بخيوط ملونة بيضاء وحمراء، وخيوط فضيّة متداخلة تستخدم «الكوجة» في عمل التلّي، والكوجة هي الأداة الرئيسية للتطريز وتتكون من قاعدة معدنية على شكل قمعين ملتصقين من الرأس، وبهما حلقتان على إحدى القواعد لتثبيت وسادة دائرية تلف عليها خيوط الذهب والفضة للقيام بالتطريز.

بخفة ظل تُحسد عليها قطعت مريم عبد الله الحديث بصوتها الهادئ قائلة: السدو يا والدتنا ينافس التلي، بل هو من أهم جذورنا التراثية. أهم ما فيه هو الصبغ بالألوان وغالباً ما نستخدم نباتات طبيعية في الصباغة منها الحناء لتعطي اللونين الأسود والأحمر، والعصفر ويعطي اللون الأصفر المائل إلى الاحمرار والزعفران والكركم، أما «قرف» الرمان فيعطي لوناً مائلاً للخضرة، كما يتم استخدامه كذلك في تثبيت اللون، كما تستخدم «النيلة» وهي عبارة عن قطع من الحجر الطبيعي الجبلي لتعطي لوناً أزرق، أما العرجون فيعطي اللون البرتقالي.

 

الشجرة

 

أم محمد، هكذا عرفت نفسها، تحدثت مقاطعة مريم عن علاقة ألوان السدو بالبادية قائلة: إنها مستمدة من الصحراء والجبال، الضلعة والحبوب والعين وضروس الخيل والمذخر من أهم النقوش وهي على شكل خط متعرج، إلا أن أصعب تلك النقوش هي «الشجرة» كونها تحتوي على أشكال بداخلها ولا تتقنها إلا الناسجة الماهرة، وتحتوي على مجموعة من النقوش المتشابكة من المثلثات والعين والحلق والمبخر، إضافة إلى أشكال الثعابين والجمال، وقد تكون الشجرة عبارة عن كتابة لعبارة معينة، وغالباً ما تكون باللونين الأبيض والأسود.

ومن التلي والسدو إلى جدائل الخوص التي استطاعت مريم الشحي أن تلفها بين أصابعها بمهارة وحرفية عالية لتتحدث عن عالمها الخاص قائلة: من خلال الخوص نصنع الكثير من الأغراض التي تستخدم في حياتنا اليومية، ومنها مثلاً «الشلبدان»، الذي يستخدم لوضع المكحلة بداخله،أما عن أوراق السعف التي تصبغها بألوان مختلفة أساس تراثنا الذي نعتز به ونقوم بصبغ الخوص بطريقة سهلة عندما نضع الصباغ في قدر من الماء، وتوضع فيه أوراق السعف، ونتركه نصف ساعة تقريباً، ثم نجففه بعد الصبغ مباشرة، ونلونه أحياناً بأكثر من لون، مثل الأحمر والأخضر والأزرق والأصفر، أما طريقة الحياكة فتكون بوضع كميات من السعف، وبالتالي تحاك كالضفائر، وتستخدم كميات كثيرة من السعف المقطع رفيعاً، وتتم إضافة الخيوط عندما تنتهي طولياً، وتستخدم عرضياً مع القطع المستديرة والكبيرة.

 

الغمصة والغمسة

 

إنها تلك الرائحة العبقة التي يضوع في أريجها عطر الأصل القديم، تلك الذكية العبقرية التي تنتشر في أجواء خيمة المرأة التراثية، والتي نجحت بجدارة في أن تجذب زائري المهرجان ليتسمروا أمامها ويفتحوا صدورهم على مصراعيها ليتسرب إليها ذلك العبق، إنه البخور الإماراتي الشهير، وها هي «أم زايد» تفترش الحصير لتطحن بعضاً من أوراق الحنة التي يتهافت على شرائها الزائرات، اقتربت منها لأتعرف تفاصيل هذا العالم فتبدأ بالحديث قائلة: «أعجنها بزيت الزيتون الدافئ لتصبح ألواناً مختلفة تتزين بها النساء، ثم أطحن وأنعّم أوراق نبات الحناء ثم أخلطها بالماء الساخن وأتركها بعض الوقت حتى تتخمر، ويمكن لها أن توضع على الشعر، فتلونه وتجعله أكثر لمعاناً وحيوية، أما إذا كانت لتجميل اليدين والقدمين فأخلطها مع الليمون اليابس.

وعن أشكال وألوان الحناء تقول أم زايد: «الغمصة» أو «الغمسة» وهي طلاء اليد حتى الرسغ و«الجصة» تخطيط الأصابع بالحناء حتى الكف، و«الروايد» وهو طلاء مفصل واحد من كل إصبع ومد خط إلى منتصف الكف و«الجوتي» تخضيب مفصلين من كل إصبع و«بياريج» مثلثات صغيرة باليد كلها وهناك أيضاً «البيطات» وهو عبارة عن«4» مثلثات في الكف، وبينها نقاط صغيرة، وهناك أشكال أخرى مثل النجوم أو النقط أو الورود.

 

مسرح الأيام وساحات السوق محطات العروض

 

يشهد مسرح الأيام الواقع على مدخل ساحة أيام الشارقة التراثية إقبالاً كبيراً من قبل جمهور وزوار الأيام الباحثين عن الفولكلور العالمي والعروض الرائعة التي تقدمها فرق عالمية وعربية ومحلية، وكذلك هو الحال في ساحة الأيام، التي تشهد يومياً عروضاً فنية ورقصات شعبية وفولكلورية تؤديها فرق محلية وعربية وعالمية عدة، فهذه العروض تنقل الزائر فوراً إلى ماض جميل من خلال ما تقدمه من عروض ولوحات فنية عميقة، وما تتضمنه من عراقة وأصالة يعشقها الجميع ويبحث عنها، فيجد ضالته في ساحة الأيام، حيث العروض المتنوعة. ويعتبر المسرح الأيام أحد المواقع والأركان المهمة والجاذبة في أيام الشارقة التراثية، فالفرق المحلية والعربية والأجنبية أدت وتؤدي عروضاً شيقة، مثل زفة الحنة والفنون البحرية، والنهمات البحرية، والعيالة، والدان، وغيرها من الفنون الشعبية الجذابة في ظل مشاركة متميزة من الفرق المحلية، حيث تؤدي يومياً عروضاً في منتهى الروعة، في الفنون والرقصات الشعبية، وغيرها.

 

المقهى الثقافي والبرامج الإعلامية

 

استضاف المقهى الثقافي في البيت الغربي محاضرة للكاتب والمذيع والمخرج المسرحي، جمال مطر، تحت عنوان «البرامج التراثية ودورها في تعزيز الهوية الوطنية»، وذلك بحضور عدد من المهتمين بالتراث الإماراتي والبرامج التراثية الإعلامية والتلفزيونية ومن زوار الأيام وعشاق التراث. وتحدث مطر في بداية المحاضرة عن التراث الإماراتي والعربي، وكيف أصبحت الشارقة محط أنظار العالم في مجال التراث، وباتت تحتاج إلى برنامج تراثي يومي تتوج إنجازاتها التراثية، لتعزيز الهوية الوطنية والتراثية في نفوس جميع الجمهور وقاطني الإمارات ككل.

وتساءل مطر عن البرامج التراثية التي لم تعد تقدم المعنى الواضح والحقيقي للتراث، وتروج له بالشكل السليم، وباتت تعتمد على الشكليات الجمالية للتراث والمواقع والأماكن التراثية، لافتاً إلى أن التراث الإماراتي له ماضٍ عريق، والمعنيون طوروه وجعلوه متحركاً، ما ساهم في تعزيز الهوية الوطنية، حيث إن جميع البرامج قدمت الشكل الخارجي للتراث ولم تقدم المعنى الداخلي والسالف الذي أسس هذا التراث العريق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *