Categories
الأخبار

«دق الحب واليازرة».. أهازيج وحكايات من الماضي

«الله يا الله، يلا دِقوا خُوتي الحَب، طَحِنوه، عينوه، كلوه، صبيان يا بني، يلا دِقوا الحَب، الله يا الله، دقوه طحنوه عينوه خبزوه كلوهُ خوتي جمبي، صاحبي قلبي، يطلع ينزل دقوه»، هكذا كان صوت أهازيجهم يهز أرجاء منطقة قلب الشارقة، ليجذب أعداداً غفيرة من زائري الأيام التراثية.
هكذا كانوا يغنون بعضا من أغانيهم القديمة التي حتماً تشجيك، لتعود بك إلى الوراء لتجد نفسك واقفاً وجهاً لوجه أمام بسطاء الريف الإماراتي، مستنشقاً ندى صباح باكر يبلل وجنتيك، فاتحاً رئتيك لتلك الرائحة المنبعثة من بكارة الزراعة في الإمارات.
«هكذا كانوا يطحنون حَب القمح استعداداً لتخزينه، وهي عملية قديمة ولها طقوس عديدة في الإمارات» تقاطع كلمات أحمد علي راشد النوا من رأس الخيمة، حالة تأملي للبيئة الزراعية التي تجسدت أمام عيني. يحدثني بشيء من التفصيل عن دق الحَب قائلاً: «هي الأساس في الزراعة قديماً، وكان أجدادنا يبدؤون تلك العملية بعد صلاة الظهر مباشرة، وعلى الرغم من الحرارة المرتفعة نوعاً ما، فإن هبوب الرياح الخفيفة كان يساعدهم على فصل التبن عن القمح أثناء نثره في الهواء، ليبدأ المشاركون في ترديد أهازيجهم خلال عملية الدق بعصي خشبية من أغصان الغاف أو السدر».

يضيف النوا: «تلك الأهازيج التي كانت تشجعهم على الاستمرار، فمثلاً يقولون: «لحوم يا صبي لحوم، عطني زندك يا لحوم» وهي دعوة إلى الالتحام والتعاون في دق الحب من خلال تشكيل دائرة على القمح وهو في سنابله، ويتحرك المشاركون وهم يرفعون أيديهم بالعصي ويضربون بها الحب، بينما يرفعون القش بأرجلهم للأعلى، ليتم ضربه في تناسق وتناغم مع القوة والصبر».

راشد محمد، أحد المشاركين في خيمة البيئة الزراعية التقط الحديث من النوا قائلاً: «تستمر عملية دق الحب إلى أن تنفصل حبوب القمح عن سنابلها، ليتم نثر الحبوب بعدها بالهواء الطلق بالأيادي عدة مرات، ليبقى الحب على ساحة الينور في مكان واحد، بينما يتناثر التبن حوله، ليوضع بعدها القمح في (الجفير) وهو وعاء مصنوع من سعف النخيل، ويتم نثره أيضاً في المكان نفسه على ارتفاع نصف قامة الرجل، وهي تلك المرحلة التي كان أجدادنا يرددون فيها أهزوجة: هب يا هبوب الرب شل التبن وخلي الحب. وتكون تلك آخر عملية تصفية، يوضع بعدها بأكياس، ويوزع على الأهالي».

ويقطع صوت الوالد خميس بن علي الأجواء قائلاً: «يا بني لا تنس أننا كنا نتجمع كل مرة عند أحد زارعي القمح، ونخصص يوم السبت كونه إجازة للجميع، وبعد صلاة الظهر مباشرة نبدأ عملية دق الحب، وتنتهي تقريباً في الساعة الثالثة ظهراً أو حسب كمية القمح، بعدها نجتمع على الوليمة التي أحضرها الداعي للحشد، وبعد أن ينتهي الرجال من دق الحب، يصفيه صاحبه في منزله من بقايا التبن ثم يطحنه في مطاحن خاصة به».

مسحاة ومَحَش

أستسلم لقدمي وتشدني تلك الأدوات القديمة التي افترشت أرض السجاد اليدوي الشهير، وقفت أتأملها وحاولت أن أُمسك بإحداها بين يدي، ولكن ثقلها حال دون حدوث ذلك، ابتسم عبيد بن سليمان قائلاً: «وزن هذه الآلة يلقننا درساً ويُذكرنا بالمعاناة التي وقعت على أهلنا في قديم الزمان، إذ إنهم كانوا يحملون تلك الأدوات القديمة بين أيديهم طوال اليوم من أجل أن يحفرون في الصخر لكي نعيش نحن الآن في كل هذا الرخاء، ولنصبح مُصنفين بأننا أسعد شعب في العالم»، استمعت إليه وهو يُمسك الأدوات الزراعية القديمة شارحاً إياها لي.

ويضيف: «تلك هي (المسحاة) كانوا يشقون بها القنوات المائية ويحفرون بها الآبار، و(المَحش) ليزيلوا به الحشائش، و(الميشار) لقطع الأشجار الكبيرة، وعندما كانوا يريدون نقل الأشجار الضخمة من مكانها مع الإبقاء على الجذور كانوا يستخدمون (العتلة)، بينما (الداس) لقطع الأغصان والفروع، أما (المنجل) فكان مخصصاً لقص الذرة».
الثور واليازرة

قطع حديثنا محمد بن عبدالله الذي راح يشرح ما جسدته البيئة الزراعية التي وضعت نموذجاً لليازرة، وثور يدور حولها ليجلب المياه من البئر، استمعت للرجل الذي بدأ حديثه قائلاً: طريقة شاقة كانت تحتاج إلى مجهود كبير. نظراً لأن آبار المياه في مزارع النخيل الساحلية قليلة العمق نسبياً، لذا فقد طور سكان المنطقة العديد من الطرق الأولية للري، فكانت «اليازرة» التي كانت تستخدم قديماً، والتي سخرت الطاقة الحيوانية للمساعدة في غمر بساتين النخيل بالماء. وتتألف هذه العملية من هيكل مكون من جذوع أشجار النخيل الذي يتشكل من أربعة قوائم ويعمل على إسناد عجلة يلقى فوقها حبل يُربط بطرف دلو من الجلد، بينما يسحب الثور الطرف الآخر للحبل لدى قيام إنسان بتمشيته نزولاً وصعوداً في الممر المشكل خصيصاً له ساحباً بذلك الدلو الجلدي بعد امتلائه بالماء من البئر ليقلبه عند فوهة البئر، مفرغاً منه الماء في خزان صغير كي ينساب من هناك في قنوات تجري عبر مزارع النخيل. والحقيقة أن هذه الطريقة شاقة للغاية للحيوان وللإنسان، وكان الأنين المعهود عند تشغيل طريقة الري باستخدام الثيران يمثل مشهداً مألوفاً من مشاهد الحياة العامة المعروفة لدى السكان على امتداد ساحل الخليج.

اهتمام خاص

قال د. عبد العزيز المسلم، رئيس معهد الشارقة للتراث، رئيس اللجنة العليا لأيام الشارقة التراثية، إن للأطفال نصيباً كبيراً واهتماماً خاصاً من فعاليات الأيام، فلهم قريتهم الخاصة المملوءة بالألعاب التراثية التي تنقلهم إلى زمن جميل لا يعرفونه، لكنهم عشقوه، من خلال تلك الألعاب التي تعيدهم إلى القصص التي سمعوها ذات يوم من آبائهم وأجدادهم، والآن هي حقيقة على أرض الواقع في الساحة المخصصة لهم في الأيام، ونراهم يتنقلون بفرح غامر بين 240 فعالية مخصصة لهم لربطهم بالماضي والتراث الإماراتي العريق. وأكد أن الاهتمام بالطفل في الأيام يعتبر أولوية كبرى، خصوصاً أن أحد أبرز مهمات الأيام، العمل على تعريف الجيل الجديد بتراثنا والبيئات الإماراتية المتنوعة وكيف كانت حياة الأجيال السابقة، وحتى يتسنى تحقيق مثل هذا الهدف كان يجب التركيز على الأطفال الذين نشؤوا في ظروف وأوضاع مختلفة.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *